فخر الدين الرازي

197

تفسير الرازي

الأمر ما قصصنا عليك لانتفاء كون ربك مهلك القرى بظلم ، وكلمة " أن " ههنا هي التي تنصب الأفعال ، وثانيها : يجوز أن تكون مخففة من الثقيلة ، والمعنى لأنه لم يكن ربك مهلك القرى بظلم والضمير في قوله لأنه ضمير الشأن والحديث والتقدير ، لأن الشأن والحديث لم يكن ربك مهلك القرى بظلم . وثالثها : أن يجعل قوله : * ( أن لم يكن ربك ) * بدلاً من قوله : * ( ذلك ) * كقوله : * ( وقضينا إليه ذلك الأمر أن دابر هؤلاء مقطوع مصبحين ) * ( الحجر : 66 ) . وأما قوله : * ( بظلم ) * ففيه وجهان : الأول : أن يكون المعنى ، وما كان ربك مهلك القرى بسبب ظلم أقدموا عليه . والثاني : أن يكون المراد . وما كان ربك مهلك القرى ظلماً عليهم ، وهو كقوله : * ( وما كان ربك ليهلك القرى بظلم وأهلها مصلحون ) * ( هود : 117 ) في سورة هود . فعلى الوجه الأول يكون الظلم فعلاً للكفار ، وعلى الثاني يكون عائداً إلى فعل الله تعالى ، والوجه الأول أليق بقولنا ، لأن القول الثاني يوهم أنه تعالى لو أهلكهم قبل بعثة الرسل كان ظالماً ، وليس الأمر عندنا كذلك ، لأنه تعالى يحكم ما يشاء ، ويفعل ما يريد ، ولا اعتراض عليه لأحد في شيء من أفعاله . وأما المعتزلة : فهذا القول الثاني مطابق لمذهبهم موافق لمعتقدهم . وأما أصحابنا فمن فسر الآية بهذا الوجه الثاني . قال : إنه تعالى لو فعل ذلك لم يكن ظالماً لكنه يكون في صورة الظالم فيما بينا ، فوصف بكونه ظالماً مجازاً ، وتمام الكلام في هذين القولين مذكور في سورة هود عند قوله : * ( بظلم وأهلها مصلحون ) * . وأما قوله : * ( وأهلها غافلون ) * فليس المراد من هذه الغفلة أن يتغافل المرء عما يوعظ به ، بل معناها أن لا يبين الله لهم كيفية الحال ، ولا أن يزيل عذرهم وعلتهم . واعلم أن أصحابنا يتمسكون بهذه الآية في إثبات أنه لا يحصل الوجوب قبل الشرع ، وأن العقل المحض لا يدل على الوجوب البتة . قالوا : لأنها تدل على أنه تعالى لا يعذب أحداً على أمر من الأمور إلا بعد البعثة للرسول . والمعتزلة قالوا : إنها تدل من وجه آخر على أن الوجوب قد يتقرر قبل مجيء الشرع ، لأنه تعالى قال : * ( أن لم يكن ربك مهلك القرى بظلم وأهلها غافلون ) * فهذا الظلم إما أن يكون عائداً إلى العبد أو إلى الله تعالى ، فإن كان الأول ، فهذا يدل على إمكان أن يصدر منه الظلم قبل البعثة ، وإنما يكون الفعل ظلماً قبل البعثة ، لو كان قبيحاً وذنباً قبل بعثة الرسل ، وذلك هو المطلوب ، وإن كان الثاني فذلك يقتضي أن يكون هذا الفعل قبيحاً من الله تعالى ، وذلك لا يتم إلا مع الاعتراف بتحسين العقل وتقبيحه . قوله تعالى * ( وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِّمَّا عَمِلُواْ وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ ) * .